الياس شوفاني

423

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

1922 م « دستور فلسطين » ، الذي تضمن وعد بلفور في مقدمته أيضا . وقد أعطى هذا الدستور المندوب السامي صلاحيات واسعة في الإشراف على الأراضي العمومية والتصرف بها ، وتعيين الموظفين وعزلهم ، وإعلان العفو العام ، وإبعاد المحكومين السياسيين ، والموافقة على القوانين لتصبح سارية المفعول بتوقيعه . وهو يترأس المجلس التنفيذي ، الذي يتولى أعضاؤه المناصب العليا كلها في الحكومة ، ويكون بمثابة هيئة استشارية للمندوب السامي ، وهم يعينون بمرسوم من ملك بريطانيا ، وبناء على التماس من المندوب السامي . كما تضمن الدستور تشكيل « مجلس تشريعي » ، حسبما ورد في الكتاب الأبيض . ومن أجل انتخابه ، أصدر سامويل مرسوما بإجراء إحصاء عام للسكان ( 14 آب / أغسطس 1922 م ) . وهو يتألف من المندوب السامي رئيسا ، و 10 موظفين بالتعيين ( هم المجلس التنفيذي ) ، و 12 عضوا منتخبا بحسب الطوائف - 8 من المسلمين و 2 من المسيحيين و 2 من اليهود . ويحظر على المجلس التشريعي أن ينظر في أية نقطة تخالف صك الانتداب ، كما أن قوانينه لا تصبح نافذة إلّا إذا وافق عليها المندوب السامي ، الذي يتمتع بحق تعطيل هذا المجلس في أي وقت يشاء . وكانت مسودة هذا الدستور قد عرضت على الوفد الفلسطيني في لندن فرفضه . وكان طبيعيا أن يرفض الشعب الفلسطيني الانتداب البريطاني ، ويقاوم سياسته الرامية إلى تجسيد وعد بلفور ، بالصورة التي تؤهله لها أوضاعه الاجتماعية وتنظيمه السياسي ، وبالتالي قدرته على القيام بعمل اللازم للتصدي للمشاريع المضادة وإحباطها ، من موقع الدفاع . فصك الانتداب هو في الأساس برنامج لتغييب الشعب الفلسطيني عن وطنه - ماديا وحضاريا وسياسيا - بدءا بنفي حقه التاريخي فيه ، عبر الاعتراف لليهود بذلك الحق . وهو مخطط لقطع صلة الفلسطينيين بوطنهم ، عبر تهويده ، فجاء منذ البداية متجاهلا لوجودهم على أرضه ، متنكرا لحقهم الطبيعي فيه ، ومستثنيا إياهم من عائلة الشعوب ، حتى العربية الشقيقة . وقد فرض الانتداب عليهم قسرا ، ولم يؤخذ رأيهم به ، لا شكلا ولا مضمونا ، وإنما تمّ ذلك بالتنسيق بين حكومة بريطانيا والمنظمة الصهيونية ، وبدعم الدول الإمبريالية ، إلى حد أنه جاء متناقضا حتى مع ميثاق عصبة الأمم ذاتها . وملامح المشروع الصهيوني كانت واضحة منذ البداية ، فهو استيطاني إجلائي ، لامكان فيه لأهل البلد الأصليين ، وبناء عليه ، فلا يمكن تجسيده من دون تغييبهم بشتى الوسائل . وكما وعى قادة العمل الصهيوني هذه الحقيقة ، وبرمجوا وخططوا لتجسيدها ، هكذا وعاها الشعب الفلسطيني ، فتصدى لمسارات تجسيدها بالأساليب التي أتاحتها أوضاعه الاجتماعية ، وحالة حركته الوطنية التنظيمية .